الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
551
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اضطراب في حين تحليل البيع ، لقصد أن يفتنوا المسلمين في صحة أحكام شريعتهم ؛ إذ يتعذّر أن يكون كل من أكل الربا قال هذا الكلام ، وإن كان قولا حاليا بحيث يقوله كل من يأكل الربا لو سأله سائل عن وجه تعاطيه الربا ، فهو استعارة . ويجوز أن يكون قالُوا * مجازا لأنّ اعتقادهم مساواة البيع للربا يستلزم أن يقوله قائل ، فأطلق القول وأريد لازمه ، وهو الاعتقاد به . وقولهم : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا قصر إضافي للردّ على من زعم تخالف حكمهما فحرم الربا وأحل البيع ، ولمّا صرح فيه بلفظ مثل ساغ أن يقال البيع مثل الربا كما يسوغ أن يقال الربا مثل البيع ، ولا يقال : إنّ الظاهر أن يقولوا إنّما الربا مثل البيع لأنّه هو الذي قصد إلحاقه به ، كما في سؤال الكشاف وبنى عليه جعل الكلام من قبيل المبالغة ؛ لأنّا نقول : ليسوا هم بصدد إلحاق الفروع بالأصول على طريقة القياس بل هم كانوا يتعاطون الربا والبيع ، فهما في الخطور بأذهانهم سواء ، غير أنّهم لما سمعوا بتحريم الربا وبقاء البيع على الإباحة سبق البيع حينئذ إلى أذهانهم فأحضروه ليثبتوا به إباحة الربا ، أو أنّهم جعلوا البيع هو الأصل تعريضا بالإسلام في تحريمه الربا على الطريقة المسمّاة في الأصول بقياس العكس « 1 » ؛ لأنّ قياس العكس إنّما يلتجأ إليه عند كفاح المناظرة ؛ لا في وقت استنباط المجتهد في خاصّة نفسه . وأرادوا بالبيع هنا بيع التجارة لا بيع المحتاج سلعته برأس ماله . وقوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا من كلام اللّه تعالى جواب لهم وللمسلمين ، فهو إعراض عن مجادلتهم إذ لا جدوى فيها لأنّهم قالوا ذلك كفرا ونفاقا فليسوا ممّن تشملهم أحكام الإسلام . وهو إقناع للمسلمين بأنّ ما قاله الكفار هو شبهة محضة ، وأنّ اللّه العليم قد حرّم هذا وأباح ذلك ، وما ذلك إلّا لحكمة وفروق معتبرة لو تدبّرها أهل التدبّر لأدركوا الفرق بين البيع والربا ، وليس في هذا الجواب كشف للشبهة فهو ممّا وكله اللّه تعالى لمعرفة أهل العلم من المؤمنين ، مع أنّ ذكر تحريم الربا عقب التحريض على الصدقات يومئ إلى كشف الشبهة .
--> ( 1 ) هو الاستدلال بحكم الفرع على حكم الأصل لقصد إبطال مذهب المستدل عليه ويقابله قياس الطرد وهو الاستدلال بحكم الأصل على حكم الفرع لإثبات حكم الفرع في نفس الأمر . مثال الأول أن تقول : النبيذ مثل الخمر في الإسكار ، فلو كان النبيذ حلالا لكانت الخمر حلالا وهو باطل . ومثال الثاني أن تقول : النبيذ مسكر فهو حرام كالخمر .